أحمد بن علي القلقشندي

324

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحمد للَّه الذي جعل بيت الخلافة مثابة للناس وأمنا ، وأقام سور الإمامة وقاية للأنام وحصنا ، وشدّ لها بالعصابة القرشيّة أزرا وشاد منها بالعصبة العبّاسيّة ركنا ، وأغاث الخلق بإمام هدى حسن سيرة وصفا سريرة فراق صورة ورق معنى ، وجمع قلوبهم عليه فلم يستنكف عن الانقياد إليه أعلى ولا أدنى ، ونزع جلبابها عمّن شغل بغيرها فلم يعرها نظرا ولم يصغ لها أذنا ، وصرف وجهها عمّن أساء فيها تصرّفا فلم يرفع بها رأسا ولم يعمر لها مغنى . نحمده على نعم حلت للنفوس حين حلَّت ، ومنن جلت الخطوب حين جلَّت ، ومسارّ سرت إلى القلوب فسرّت ، ومبارّ أقرّت العيون فقرّت ، وعوارف أمّت الخليقة فتوالت وما ولَّت ، وقدم صدق ثبتت إن شاء اللَّه في الخلافة فما تزلزلت ولا زلَّت . ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تكون لنا من درك الشّكوك كالئة ، ولمهاوي الشّبه دارئة ، وللمقاصد الجميلة حاوية ، ولشقّة الزّيغ والارتياب طاوية ، وأنّ محمدا عبده ورسوله الذي نصح الأمّة إذ بلَّغ فشفى عليلها ، وأوردها من مناهل الرّشد ما أطفأ وهجها وبرّد غليلها ، وأوضح لهم مناهج الحقّ ودعاهم إليها ، وأبان لهم سبل الهداية : * ( فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ( 1 ) * ( ) * صلَّى اللَّه عليه وعلى آله أئمة الخير وخير الأئمّة ، ورضي عن أصحابه أولياء العدل وعدول الأمّة ، صلاة ورضوانا يعمّان سائرهم ، ويشملان أوّلهم وآخرهم ، سيّما الصديق الفائز بأعلى الرّتبتين صدقا وتصديقا ، والحائز قصب السبق في الفضيلتين علما وتحقيقا ، ومن عدل الأنصار إليه عن سعد بن عبادة بعد ما أجمعوا على تقديمه ، وبادر المهاجرون إلى بيعته اعترافا بتفضيله وتكريمه ، والفاروق الشديد في اللَّه بأسا واللَّيّن في اللَّه جانبا ، والموفي للخلافة حقّا والمؤدّي للإمامة واجبا ، والقائم في نصرة الدّين حقّ القيام حتّى عمّت فتوحه الأمصار مشارق ومغاربا ، وأطاعته العناصر الأربعة ؛ إذ

--> ( 1 ) سورة يونس 10 ، الآية 108 .